محمد هادي معرفة
421
التمهيد في علوم القرآن
لحمه ميتا . فما أشدّ كراهته ؟ فهذا مثله . فالغيبة إذا شاعت فإنما هي قتل النفوس وتمزيق أعراضهم وهدم شخصيّاتهم . فما أبشعها وأشنعها من صنيع مكروه ومرفوض لدى العقلاء ! ! فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه الكناية العجيبة تجدها من أبدع الكنايات وأعجبها وأدقّها تعبيرا ووفاء بمقصود الكلام . وكذلك قوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها « 1 » . قال ابن الأثير : والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء ، وهو من حسن الكناية ونادرها . وقوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 2 » . قال الزمخشري : هذا مثل ضربه اللّه للحقّ وأهله والباطل وحزبه ، فكنّى بالماء عن العلم ، وبالأودية عن القلوب ، وبالزبد عن الضلال . إنّ الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية ، كلّ بقدرها ، وهو بطبيعة جريه وسيلانه يلمّ في طريقه غثاء ، فيطفو على وجهه صورة زبد ، هي الشكوك الحاصلة من تضارب الآراء وحجاج الخصوم . حتى ليحجب الماء أي الحقيقة في بعض الأحيان . وقد يكون هذا الزبد نافش راب منتفخ ، ليبدو فخيما في شكله وظاهر صورته ، ولكنه في حقيقته غثاء . أمّا الماء من تحته فهو سارب ساكن
--> ( 1 ) الأحزاب : 27 . ( 2 ) الرعد : 17 .